ابن عربي
301
مجموعه رسائل ابن عربي
ببعض ثم جعل على كل جبل منهن جزءا ثم دعاهن فأتينه سعيا كل ذلك بإذن اللّه تعالى وليس في قضية العقل ببعيد أن يكرم اللّه وليا من أوليائه بهذه الكرامة ويجريها على يده فإن شرفها راجع للنبي ( ص ) فإنه باتباعه ووقوفه عند حدود صح له ذلك الأمر وهذه المسئلة فيها خلاف بين العلماء منهم من يثبت معجزة النبي ( ص ) كرامة للولي ومنهم من ينفي ذلك ومنهم من يثبت للولي كل كرامة لم تكن معجزة لنبي وأما أصحابنا فلم يتمكن لهم أصلا نفيها لمشاهدتهم إياها في أنفسهم وفي إخوانهم فهم أصحاب كشف لها وذوق ولو ذكرنا ما شاهدنا منها وما بلغنا عن الثقات منها لبهت السامع وربما نرمي به وذلك لقصوره بنظره لنفس من أظهرها اللّه على يديه وشخصه واحتقاره له فلو تكمل بأن ينظر للفاعل القادر المختار سبحانه الذي أجراها سبحانه على يديه لم يكن ذلك عنده بكبير ولقد رأيت شخصا من فقهاء زماننا يقول لو عاينت أمرا من هذه الأمور على يد أحد لقلت أنه طرأ في دماغي فساد وأما أنه جري ذلك فلا مع جواز ذلك عندي إن اللّه تعالى إذا شاء أن يجري ذلك على يد من يشاء إجراء فانظر يا بني ما أشد حجاب هذا وما أشد إنكاره وجهله أخذ اللّه بأيدينا وبيده آمين ونور بصيرته . ثم نرجع إن هذه الانفعالات الإلهية المختصة بالوجود على يدي هذا الشخص الإنساني على مراتبها أصلها الذي ترجع إليه قوى نفسية تسميها الصوفية الهمة ويسميها بعضهم الصدق فيقولون فلان أحال همته على أمر فانفعل له ذلك وفلان صدق في أمرها فكان له ذلك وهذه الصفة يشترك فيها النبي والولي واثنتان لهما الواحدة العلم الكسبي يحصل للنبي والولي من غير اكتساب بل يعطي الدليل والمدلول ابتداء من غير نظر فكري والآخر أن الذي يراه الناس في النوم يراه النبي والولي في اليقظة والثالثة الهمة التي نحن بسبيلها وأنه كل ما لا يتوصل إليه شخص إلّا بجسمه أو بسبب ظاهر يتوصل إليه النبي والولي بهمته وزيادة وهي الأمور الخارجة عن مقدور البشر رأسا كالأمور التي تقدم ذكرها . واعلم أن وجود هذه الهمة في العبد على نوعين ولها مرتبتان همة تكون في أصل خلقة العبد وجبلته وهمة تحصل له بعد إن لم تكن ومن أصحابنا من يراها في الجبلة رأسا فإن قال قائل كيف هي في الجبلة ونراها لا تكون له إلّا حين حصول التمييز والتخلق والنطق ولهذه مقامات . قلنا له ليس الأمر كذلك بل هي في جبلة من أراد أن يخلقه اللّه عليها لكن لا يشعر بها الفهم أنه عليها ويصرفها في غير ما ذكرناه من الخارق للعادة فإذا علمها من نفسه صرفها فيما أراد من الموجودات كنطق عيسى ( ع ) في المهد بأمر اللّه وهمة مريم